السيد علي عاشور
37
موسوعة أهل البيت ( ع )
فلما رأى أن لا نجاة وأنه * هو الموت لا ينجيه منه التحاذر تندّم إذ لم تغن عنه ندامة * عليه وأبكته الذنوب الكبائر بكى على ما سلف من خطاياه ، وتحسّر على ما خلف من دنياه ، حين لا ينفعه الإستعبار ، ولا ينجيه الاعتذار ، عند هول المنية ، ونزول البلية . أحاطت به أحزانه وهمومه * وأبلس لما أعجزته المعاذر فليس له من كربة الموت فارج * وليس له مما يحاذر ناصر وقد جشأت خوف المنية نفسه * ترددها منه اللها والحناجر هنالك خفّ عن عواده ، وأسلمه أهله وأولاده ، فارتفعت الرنّة بالعويل ، وأيسوا من برء العليل ، فغمضوا بأيديهم عينيه ، ومدّوا عند خروج نفسه رجليه . فكم موجع يبكي عليه ومفجع * ومستنجد صبرا وما هو صابر ومسترجع داع له اللّه مخلصا * يعدّد منه خير ما هو ذاكر وكم شامت مستبشر بوفاته * وعمّا قليل كالذي صار صائر فشق جيوبها نساؤه ، ولطم خدودها إماؤه ، وأعول لفقده جيرانه ، وتوجع لرزئه إخوانه ، ثم أقبلوا على جهازه ، وشمّروا لإبرازه . وظل أحب القوم كان لقربه * يحث على تجهيزه ويبادر وشمّر من قد أحضروه لغسله * ووجه لما قام للقبر حافر وكفّن في ثوبين واجتمعت له * مشيّعة إخوانه والعشائر فلو رأيت الأصغر من أولاده ، وقد غلب الحزن على فؤاده ، وغشي من الجزع عليه ، وخضبت الدموع خديه ، وهو يندب أباه ويقول : يا ويلاه . لعاينت من قبح المنية منظرا * يهال لمرآة ويرتاع ناظر أكابر أولاد يهيج اكتئابهم * إذا ما تناساه البنون الأصاغر ورنّة نسوان عليه جوازع * مدامعهم فوق الخدود غوازر ثم أخرج من سعة قصره إلى ضيق قبره ، فلما استقر في اللحد وهي « 1 » عليه اللبن ، وقد حثوا بأيديهم التراب ، وأكثروا التلدد « 2 » عليه والإنتحاب ، ووقفوا ساعة عليه ، وآيسوا من النظر إليه .
--> ( 1 ) الوهي : الشق في الشيء ، وهي : تخرق وانشقّ واسترخى رباطه ( القاموس ) . ( 2 ) التلدد : تلدد تلفت يمينا وشمالا ، وتحيّر متبلدا ، وتلبث ( القاموس ) .